أبي منصور الماتريدي
276
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
منه اشتقّ تلك الأسماء ، فذكر أسمائه يحدث له ما ذكرنا من الفوائد والعلوم . وقوله - عزّ وجل - : وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا التبتل « 1 » هو الانقطاع إلى الله تعالى ، وأن يقطع نفسه من شهواتها ، ويصرفها عن لذاتها ؛ فكأنه قال : وتبتل إليه ، وبتل نفسك تبتيلا من الشهوات واللذات ؛ ولذلك سميت مريم - رضي الله عنها - : البتول ؛ لأنها قطعت نفسها عن منافع الدنيا ، وأقبلت إلى الآخرة ، وانقطعت إليه . وقوله - عزّ وجل - : رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قال أبو بكر الأصم : تأويله : [ ملك المشرق والمغرب ] « 2 » ، وحقه أن يقال : مالك المشرق والمغرب ؛ لأنه هو المالك على التحقيق . وقال بعضهم : الرب هو المصلح ، ثم خص المشرق والمغرب بالذكر وإن كان هو مالكهما ومالك الخلائق أجمع ؛ لأن ذكر المشرق يقتضي ذكر السماوات والأرضين ، وفي ذكر السماوات والأرضين ذكر أعلى العليين وأسفل السافلين ؛ لأنه إذا نظر إلى المشرق ورأى ما يطلع في المشرق من عين الشمس ، ثم تجري في أقطار السماء ، وتقطع كل يوم مسيرة ألف عام ، ثم تغرب في عين حمئة ؛ فتصير إلى أسفل السافلين ، وتجري كذلك حتى تصل إلى مطلعها ، ثم تطلع هنالك ؛ فدل ذلك على أن مدبر السماوات والأرضين ومنشئهما واحد ، وأن سلطانه في الأرض كسلطانه في السماء ، ويعلم أن من بلغت قدرته هذا المبلغ في أن يسير عين الشمس في يوم واحد مسيرة ألف عام ما يشتد على الخلق قطع هذه المسافة في مدد كثيرة - لا يجوز أن يعجزه شيء ، ودل على أن ملكه دائم لا ينقطع ؛ لأن عين الشمس تجري في كل يوم ، على ما سخرت ، لا تتبدل ، ولا تتغير باختلاف الأزمنة والأوقات ، وجعل منافع أهل الأرض متصلة بمنافع السماء ، ولو لم يكن مدبرهما واحدا لارتفع الاتصال « 3 » ، وانقطعت منافع السماء عن أهل الأرض ؛ فكان في ذكر المشرق والمغرب دلالة وحدانيته ، وإظهار قوته وسلطانه ، والوقوف على عجائب حكمته ولطائف تدبيره . ثم تخصيص ذكر المشرق والمغرب دون السماء والأرض ؛ هو - والله أعلم - لأن هذا أوصل إلى معرفة التوحيد ، وأسرع إلى الإدراك من ذكر السماوات والأرض ، وإن كان
--> ( 1 ) في ب : فالتبتيل . ( 2 ) في ب : الملك للمشرق والمغرب . ( 3 ) في ب : الإيصال .